محمد بن الطيب الباقلاني
389
الإنتصار للقرآن
الكتاب واحدة ، فحكى سبحانه السؤال والطلب عنهم في قوله : باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا للإخبار عنهم بأنّهم قد بوعد بين أسفارهم ، وقد كان من أهل سبأ أمران / لأنهم سألوا اللّه سبحانه أن يفرّقهم ويباعد بين أسفارهم فحكى ذلك [ 254 ] عنهم ، فلمّا فعل ذلك بهم وأجابهم إلى مسألتهم ، أخبروا عن أنفسهم بأنّ اللّه أجابهم وباعد بين أسفارهم ، فحكى اللّه تعالى ذلك عنهم . وكذلك قوله : لَقَدْ عَلِمْتَ ما أَنْزَلَ هؤُلاءِ [ الإسراء : 102 ] ، لأنّ فرعون قال لموسى : إنّ ما أتيت به السحر والتخييل ، فقال موسى مخبرا عن نفسه : إنني ما أتيت إلا بآيات وبصائر ، وقال أيضا لفرعون مرة أخرى : لقد علمت أنت أيضا أنّ ما جئت به بصائر وآيات ليست بسحر ، فحكى اللّه تعالى الأمرين جميعا ، وهما صحيحان يأتيان غير متضادين ولا متنافيين ، وكذلك كلّ ما ورد من هذا الضرب . فهذا الذي ذكرناه واللّه أعلم هو تفسير السبعة الأحرف دون جميع ما قدّمنا ذكره ، وقد أخبرنا فيما سلف أنّه لا يجب علينا الإخبار عن عدد اللغات والأوجه السبعة ، وذكر أجناس الاختلاف بينها وضروبه إذا لم يكن عندنا توقيف في ذلك ، وهذه جملة كافية في هذا الباب إن شاء اللّه . فإن قالوا : فإذا قلتم إنّ الحروف المنزلة إنّما هي قراءات وأوجه مختلفة بإعراب مختلف ، كالضمّ والفتح والكسر ، أو إمالة وترك إمالة ، أو إدغام وترك إدغام ، أو قلب حرف إلى حرف ، أو تقديم وتأخير وزيادة حرف في الكلمة أو نقصان حرف منها ، لا غير ذلك ، فكيف سمّى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم هذه الأوجه والحركات والإعراب المختلف وقلب الحرف إلى غيره حرفا ، والإعراب الذي هو الضمّ والفتح ليس بحرف ، وإمالة الحرف ليس بحرف وقلب الحرف إلى غيره ليس بحرف ، وإبدال الاسم بحرف وتقديم الكلمة